رفيق العجم
388
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
مناهج . فقوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ نبأ عن الذات . وقوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ نبأ عن صفة من صفات خاصة ، وخاصيتها أنها تستدعي سائر الصفات من العلم والقدرة وغيرهما ، ثم تتعلّق بالخلق وهم المرحومون تعلّقا يؤنسهم به ويشوقهم إليه ويرغبهم في طاعته ، لا كوصف الغضب لو ذكره بدلا عن الرحمة فإن ذلك يحزن ويخوّف ويقبض القلب ولا يشرحه . وقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يشتمل على شيئين أحدهما أصل الحمد وهو الشكر وذلك أول الصراط المستقيم وكأنه شطره فإن الإيمان العملي نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر ، . . . والصبر منه ، وفضل الشكل على الصبر كفضل الرحمة على الغضب ، فإن هذا يصدر عن الارتياح وهزّة الشوق وروح المحبة ، وأما الصبر على قضاء اللّه فيصدر عن الخوف والرهبة ولا يخلو عن الكرب والضيق وسلوك الصراط المستقيم إلى اللّه تعالى بطريق المحبة ، وأعمالها أفضل كثيرا من سلوك طريق الخوف . . . وقال تعالى رَبِّ الْعالَمِينَ إشارة إلى الأفعال كلها وإضافتها إليه أوجز لفظ وأتمّه إحاطة بأصناف الأفعال لفظ رب العالمين ، وأفضل النسبة الفعل إليه نسبة الربوبية ، فإن ذلك أتم وأكمل في التعظيم من قولك أعلى العالمين وخالق العالمين . وقوله ثانيا : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إشارة إلى الصفة مرة أخرى ولا تظنّ أنه مكرّر فلا تكرّر في القرآن إذ حد المكرّر ما لا ينطوي على مزيد فائدة . وذكر الرحمة بعد ذكر العالمين وقبل ذكر ملك يوم الدين ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفضيل مجاري الرحمة . إحداهما تلتفت إلى خلق رب العالمين فإنه خلق كل واحد منهم على أكمل أنواعه وأفضلها وآتاه كل ما يحتاج إليه . فأحد العوالم التي خلقها عالم البهائم وأصغرها البعوض والذباب والعنكبوت والنحل . فانظر إلى البعوض كيف خلق أعضاءها فقد خلق عليها كل عضو خلقه على الفيل حتى خلق له خرطوما مستطيلا حادّ الرأس . . . فأما تعلّقه بقوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فيشير إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الأنعام بالملك المؤبّد في مقابلة كلمة وعبادة . وشرح ذلك يطول . والمقصود أنه لا مكرّر في القرآن فإن رأيت شيئا مكرّرا من حيث الظاهر ، فانظر في سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته . فأما قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فإشارة إلى الآخرة في المعاد ، وهو أحد الأقسام من الأصول مع الإشارة إلى معنى الملك والملك وذلك من صفات الجلال . وقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ يشتمل على ركنين عظيمين ، أحدهما : العبادة مع الإخلاص بالإضافة إليه خاصة وذلك هو روح الصراط المستقيم كما تعرفة من كتاب الصدق والإخلاص وكتاب ذمّ الجاه والرياء من كتاب الإحياء ، والثاني : اعتقاد أنه لا يستحقّ العبادة سواه وهو لباب